سيد قطب

2612

في ظلال القرآن

وبعد أن يلمس قلوبهم هذه اللمسات الموقظة يناديهم إلى التقوى ، وإلى الطاعة ، وإلى مخالفة الملأ الجائرين البعيدين عن الحق والقصد ، الميالين إلى الفساد والشر . « فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ . الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ » . . ولكن هذه اللمسات وهذه النداءات لا تصل إلى تلك القلوب الجاسية الجافية ، فلا تصغي لها ولا تلين : « قالُوا : إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ . ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ » . . إنما أنت ممن سحرت عقولهم فهم يهرفون بما لا يعرفون ! كأنما الدعوة إلى اللّه لا يدعوها إلا مجنون ! « ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا » . . وتلك هي الشبهة التي ظلت تخايل للبشرية كلما جاءها رسول . فقد كان تصور البشرية القاصر للرسول عجيبا دائما ؛ وما كانت تدرك حكمة اللّه في أن يكون الرسول بشرا ، وما كانت تدرك كذلك تكريم هذا الجنس البشري باختيار الرسل منه ليكونوا رواد البشرية المتصلين بمصدر الهدى والنور . وكانت البشرية تتصور الرسول خلقا آخر غير البشر . أو هكذا ينبغي أن يكون ؛ ما دام يأتي إليها بخير السماء ، وخبر الغيب ، وخبر العالم المحجوب عن البشر . . ذلك أنها ما كانت تدرك سر هذا الإنسان الذي كرمه اللّه به ، وهو أنه موهوب القدرة على الاتصال بالملإ الأعلى وهو على هذه الأرض مقيم . يأكل وينام ويتزوج ويمشي في الأسواق . ويعالج ما يعالجه سائر البشر من المشاعر والنوازع ، وهو متصل بذلك السر العظيم . وكانت البشرية جيلا بعد جيل تطلب خارقة معجزة من الرسول تدل على أنه حقا مرسل من اللّه : « فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ » . . وهكذا طلبت ثمود تلك الخارقة ، فاستجاب اللّه لعبده صالح ، وأعطاه هذه الخارقة في صورة ناقة ؛ لا نخوض في وصفها كما خاض المفسرون القدامى ، لأنه ليس لدينا سند صحيح نعتمد عليه في هذا الوصف . فنكتفي بأنها كانت خارقة كما طلبت ثمود . « قالَ : هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ . وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ » . . لقد جاءهم بالناقة ، على شرط أن يكون الماء الذي يستقون منه يوما للناقة ويوما لهم ، لا يجورون عليها في يومها ، ولا تجور عليهم في يومهم ، ولا يختلط شرابها بشرابهم ، كما لا يختلط يومها بيومهم . ولقد حذرهم أن ينالوها بسوء على الإطلاق ، وإلا أخذهم عذاب يوم عظيم . فما ذا فعلت الآية الخارقة بالقوم المتعنتين ؟ إنها لم تسكب الإيمان في القلوب الجافة ؛ ولم تطلع النور في الأرواح المظلمة . على الرغم من قهرها لهم وتحديهم بها . وإنهم لم يحفظوا عهدهم ، ولم يوفوا بشرطهم : « فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ » . والعقر : النحر . والذين عقروها منهم هم الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون . ولقد حذرهم منهم صالح وأنذرهم فلم يخشوا النذير . ومن ثم كتبت خطيئتها على الجميع ، وكان الجميع مؤاخذين بهذا الإثم العظيم . ولقد ندم القوم على الفعلة ، ولكن بعد فوات الأوان وتصديق النذير : « فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ » . . ولا يفصل نوعه هنا للمسارعة والتعجيل ! ثم يجيء التعقيب : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ » . .